علي الهجويري
391
كشف المحجوب
فصل يختص بشروط كلامهم وصمتهم قال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ « 1 » ، وقال أيضا : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ « 2 » وقال أيضا : قُولُوا آمَنَّا « 3 » ، قد أمر الاله تعالى عبيده بأن يقولوا الحق وذلك بالإقرار بربوبيته وبحمده ولدعوة خلقه إليه والكلام نعمة كبرى أفاضها الله تعالى على الإنسان وبها امتاز عن سائر المخلوقات وبعض مفسري قوله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ « 4 » يفسرونها بنعمة الكلام ومع كل ذلك فالكلام فيه أكبر الشرور حيث أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أخوف ما أخاف على أمتي اللسان » . وبالاختصار الكلام كالخمر يسكر العقول وحينما يقع المرء في شراكه لا يستطيع الخروج منها أبدا ، وقد علم الصوفية أن الكلام مضر فسكتوا عنه إلا عند اللزوم يعنى أنهم نظروا إلى أول وآخر كلامهم فإذا كان كله لله تكلموا وإلا سكتوا لأنهم يعتقدون حقا أن الله سبحانه وتعالى مطلع على خفيات السرائر لقوله تعالى : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ « 5 » . وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « من صمت نجا » « 6 » والسكوت فيه خيرات عظيمة وفتوح كبيرة والكلام فيه كثير من الشرور ، وبعضهم فضل السكوت على الكلام والبعض خالفهم ومن بين الأول الجنيد لأنه قال : « الكلام كله ادعاء وحينما وجدت الحقيقة بطل الادعاء » . وفي بعض الأحيان يكون من الجائز عدم الكلام ولو أن الإنسان يحب ذلك لأن الخوف يكون عذرا لسكوته ، ومع مقدرته
--> ( 1 ) سورة فصلت آية 33 . ( 2 ) سورة البقرة آية 263 . ( 3 ) سورة البقرة آية 136 . ( 4 ) سورة الإسراء آية 70 . ( 5 ) سورة الزخرف آية 80 . ( 6 ) رواه أحمد والترمذي .